رائدات الأعمال.. ضلع ثابت في مبادرات الاقتصاد الوطني

يعتبر قطاع المشروعات الصغيرة في المملكة العربية السعودية, من أهم دعائم الاقتصاد الوطني، ومهما بلغ تقدم دولة السعودية, فإنها تبقى معتمدة بشكل أساسي على هذا القطاع الاستراتيجي الذي يضمن حيوية الاقتصاد ومرونته ومتانته، ومواكبته للتحديات واستفادته من الفرص المتاحة والأخرى المرتقبة. 

لقد ثبت على مدى التاريخ أن تأسيس الأعمال، واستثمار رؤوس الأموال بشكل مستمر أسهم في تقدم المجتمعات وإحراز الازدهار والرفعة للأوطان، والتاريخ الإسلامي والعربي الطويل يحفل بالعديد من الأمثلة على شخصيات بدأت من نقطة الصفر وأصبحت من أبرز القامات الاقتصادية والوطنية في مختلف دول منطقتنا. 

وقد سافر العرب والمسلمون عبر الصحراء على ظهور الجمال وكانوا يتوقفون عند الواحات للتزود بالغذاء والماء، والاستراحة في ظلال الأشجار، وكان يتخلل ذلك عرض بضائعهم على التجار الآخرين، وقد تحولت واحات الصحراء إلى نقاط استراحة وتوقف على خارطة التجارة القديمة، وبرزت حولها أولى المدن العربية في التاريخ. لقد كان التجار المسلمون يلتقون في المدن الكبرى على امتداد الخليج العربي والبحر الأحمر. ووصلت أسفارهم إلى العديد من المدن الإسلامية في العالم العربي بما في ذلك مراكز التجارة الرئيسية في القارة الأفريقية. 

كذلك، باتت خطوط التجارة التي سلكها قدماء التجار المسلمين طرقاً معتمدة لجميع التجار الذين جاؤوا بعدهم، وهي اليوم تنبض بالحياة. ويشير باحث في التاريخ أن توحيد دول حوض البحر المتوسط مع نظيراتها العربية والهندية في الماضي مكن المسلمين من ”إيجاد أعظم شبكة تجارية على الإطلاق“. 

شكلن إضافة مميزة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة

تشير سارة العايد، رئيس مسابقة ولقاء ريادة الأعمال بجدة التي تعنى بدعم ومساندة رائدات الاعمال صاحبات المشروعات الصغيرة والمتوسطة في المملكة العربية السعودية، إلى أن المشروعات الصغيرة والمتوسطة تعتبر وسيلة رئيسية للنهوض بالمجتمعات، وسبباً هاماً لازدهارها، والاهتمام بهذه المشروعات يصب مباشرة في دعم الابتكار والإبداع، ومكافحة البطالة وتوفير فرص العمل النوعية، وتحفيز الشباب على المشاركة في عملية التنمية وتبوّء مكانتهم في المجتمع. 

واليوم، تعد المشروعات الصغيرة محور تركيز المجتمع المحلي والدولي نحو تطوير الأسواق والارتقاء بمستويات الابتكار فيها، وتحديد المزايا التنافسية، والعمل وفقاً لها، وإفساح المجال لتوليد مزيد من فرص العمل وتعزيز النمو الاقتصادي. 

وقد أولت الدولة رعاها الله اهتماماً بالغاً بقطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة إدراكاً منها لدوره الهام في تطوير الاقتصاد الوطني وتنويعه، وتخفيف الاعتماد على النفط كموردٍ للدخل القومي. وفي هذا الصدد، تقوم الغرف التجارية والجامعات في المملكة بالكثير من الجهود لتطوير الاستراتيجيات وتوفير الفرص، واستحداث المبادرات التي من شأنها دعم وتحقيق الأهداف التنموية التي تطمح حكومتنا الرشيدة لإنجازها. بلادنا تزخر ولله الحمد بالكثير من الجهات والمؤسسات التي تهتم بأصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة وتساعدهم على تحقيق أهدافهم ورؤاهم، ولعل من أهمها مسابقة ولقاء ريادة الأعمال بجدة الذي يجمع رائدات الأعمال الشابات، وأصحاب رؤوس الأموال، والمؤسسات المالية والتجارية، والمسؤولين الحكوميين، ورجال وسيدات الأعمال للتفاعل معاً، وتعزيز ونشر ثقافة تنمية الأعمال في المملكة، والارتقاء بروح المبادرة والإبداع في نفس الوقت. 

وحول المسابقة واللقاء، تقول العايد "يعد "مسابقة ولقاء ريادة الأعمال بجدة" منصة تفاعلية تجمع الرواد بالفرص التجارية والاستثمارية، ونقطة انطلاق للمبادرات الواعدة. إذ هو يعقد كل عامين حيث يتم التركيز في كل عام على سمات رئيسية تساهم ضمن استراتيجية عملية على صناعة شخصية رائد الأعمال وترسيخ مفاهيم ريادة الأعمال وتوفير البيئة الحاضنة لها، مع الحرص على الخروج بنتائج ملموسة تنعكس إيجاباً على المنشآت الصغيرة، من بينها إطلاق المشروعات التجارية الخاصة برائدات الأعمال عبر بوابة اللقاء محملة بالتمويل والتوجيه والإرشاد. 

وقد شهدت المسابقة واللقاء طرح العديد من المبادرات لدعم المشروعات الصغيرة، وتزويدها بالخدمات والتسهيلات التي يوفرها شركاء اللقاء والجهات المعنية وذات الاختصاص الأخرى المتعاونة، مع رصد انعكاس ذلك على أداء هذه المشروعات النموذجية في الدورات التالية وإيجاد فرص للتعاقدات والشراكات بين المنشآت الكبيرة والمنشآت الصغيرة للمساهمة في تنميتها من خلال التشغيل. 

وقد حققت المسابقة واللقاء نجاحاً باهراً في النسخة الأولى، حيث نجح في تخريج خمس رائدات أعمال باشرن بالعمل فعلياً ودخلن مجال الأعمال وبدأت كل منهن رحلتها لبناء عملها المستدام لنقل وتحويل الأفكار التقليدية إلى أفكار جديدة مبتكرة فعالة للمجتمع. وهن: علا رجب صاحبة مشروع البيت الحجازي، والتي أرشدها رجل الأعمال عبدالله النويصر إلى افتتاح فرع للمنشأة حقق زيادة قدرها 80% في المبيعات واستوعب منذ انطلاقه 12 موظفاً. وقد أصبحت علا اليوم أيقونة في مجال التراث والطعام الحجازي، واستطاعت خطف الأنظار بمشاركاتها في المهرجانات المحلية، وقد نجحت أيضاً في عقد شراكات تساعد على تنمية المشروع ودراسة الفرص المتاحة للتوسع محلياً واقليمياً. 

نسرين ناظر، صاحبة مشروع مؤسسة "شجرة العطاء"، حظيت بإرشاد جمعية الأمير ماجد للتنمية المجتمعية ممثلة بعضو مجلس إدارتها المهندس إحسان أبو غزالة ومديرها العام همام زارع، وقد لاقى مشروعها نجاحاً كبيراً، وهي الآن بصدد اقتحام مجال صناعة الأغذية خاصة بعد حصولها على شهادة إدارة وسلامة الغذاء، وقيامها بتدريب الأسر المعيلة لتوفير دخل مستقل لها من خلال العمل تحت مظلة شجرة العطاء، ويبلغ عدد الموظفات في هذا المشروع اليوم 11 امرأة حتى الآن بالإضافة إلى 50 سيدة حصلن على التدريب. 

أما هبة الرحمن رجب، صاحبة المخبر المخملي، فافتتحت أول فروعها في مدينة ينبع بإرشاد من رجلي الأعمال المهندس رامي أبو غزالة وأحمد بن زقر، وهي تستعد الآن لافتتاح ثاني فروعها ويعمل لديها اليوم 8 موظفات وموظفين. وقد أضافت هبة الرحمن خدمة التوصيل لمنتجاتها، وتعتزم تقديم التدريب لمساعدة الشابات اللاتي يعملن في مجال صناعة الحلويات على وضع المعايير المناسبة للمنافسة في السوق. 

من جهتها حظيت غدير خفاجي بإرشاد رجل الأعمال عيسى بوقري فقد توسع مشروعها "بيكسل أريبيا" المتخصص في مجال تقنية المعلومات، وهي ماضية في تصميم تطبيقات الأجهزة الذكية وإطلاق خدمات جديدة للتسويق الإلكتروني الفعال، وتقنيات أجنحة العرض للشركات في المعارض وتخصيص الحلول التي من شأنها مواكبة متطلبات العملاء في السوق المحلي. وأخيراً، هبة زمزمي، صاحبة مشروع "بيتي إكسبريس"، التي حظيت بإرشاد رجل الأعمال سامر كردي، تمكنت من تجسيد مشروعها على الأرض بعد أن كان مجرد فكرة راودتها هي وزوجها لتوفير الأطعمة المنزلية العربية مجمدة وجاهزة للتسخين، وقد تم افتتاح مطبخها الصناعي الذي يضم الآن 12 موظفا وموظفة. بدأ المشروع بصنفين وتوسع بعد ذلك ليشمل خمسة أصناف، ومن إنتاج 30 وحدة إلى 200 وحدة في اليوم. وتتوزع أعمال "بيتي إكسبرس" اليوم على أربعة مواقع عرض في أماكن حيوية مختارة، يتم من خلالها بيع منتجات مطعمها، بالإضافة إلى تقديم خدمة التوصيل. وقد أصبح لدى هبة وزوجها اليوم 4 نقاط بيع مع سوبرماركت مانويل، وفي قسم الطالبات بكلية ابن سينا. 

وفي هذا العام، ومن أجل الاستجابة لمتطلبات شباب الأعمال ومواكبة تطلعاتهم، تم تقسيم المسابقة إلى 3 فئات، هي: الريادة المجتمعية، ومشروعات الإنتاج والتصنيع، ومشروعات التطوير والابتكار في التعليم والصحة. 

وتتيح المسابقة الترشح لجائزتها عبر التقدم بطلبٍ رسميٍ من خلال موقعها واجتياز مرحلة التقييم بعد المشاركة في سلسلة من البرامج التدريبية والتأهيلية، وورش عمل مختارة تقدم المرشحات فيها أفكارهن، لتقوم لجنة التحكيم بعد ذلك باختيار فائزتين اثنتين بجائزة المسابقة عن كل فئة.



اضف تعليق

Security code
Refresh